عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

57

معارج التفكر ودقائق التدبر

إنّ هذه الآيات الرّبانيّة ذات وظيفة دنيويّة للنّاس ، وذات وظيفة دينيّة لهم ، إذ تهدي أولي الألباب منهم ابتداء إلى ما فيها من دلالات إيمانية ، على طائفة جليلة من صفات الرّبّ خالقها والمهيمن عليها دواما بربوبيته ، ثم إلى الإيمان بيوم الدّين وتصديق المرسلين المؤيّدين منه بالمعجزات الباهرات . وتذكّر دواما بما دلّت عليه ابتداء . هذا ما دلّت عليه عبارة : تَبْصِرَةً وَذِكْرى . فالتبصرة : هي التعليم والتفهيم ابتداء ، لمن يدرك دلالاتها ، يقال لغة : بصّره الأمر تبصيرا وتبصرة ، أي : أفهمه إيّاه ، وعرّفه به وأوضحه له . والتّبصّر : التأمّل والتعرّف . والتّبصير : التعريف والإيضاح . وهكذا آيات اللّه في كونه ، تعلّم وتفهّم أولي الألباب ، الذين يرجعون إليها متفكّرين متدبّرين . والذّكرى : التذكير بالشيء ، يقال لغة : أذكره إيّاه ، وذكّره ، والاسم من هذا « الذّكرى » . وآيات اللّه في كونه تكون مشاهداتها المتكرّرات بعد التعليم الأوّل ، ذكرى ، أي : تذكيرا متكررا بما سبق أن علّمته أوّلا . مع ما في آيات اللّه الكونية من تجديد تعليميّ ، وذلك أن المتفكّر اللّبيب كلّما كرّر نظره إلى آيات اللّه الكونيّة بإمعان استفاد علما جديدا لم يكن قد توصّل إليه بالمشاهدات السّابقات ، وهذا الأمر يظهر بجلاء لأهل البحث العلمي ، الذين يتعمّقون في دراسة الظواهر الكونيّة ، وكلّما اكتشف هؤلاء جديدا زادهم هداية لاستبصار مدهش يتعلّق بصفات جليلة من صفات الخالق البارىء المصوّر الحكيم ، الذي أتقن كلّ شيء صنعا . ولكن من الّذي ينتفع بالتّبصرة وبالذّكرى ؟